ابن خلدون
244
رحلة ابن خلدون
الوادي يهول مدّا ، ويروع سيفه الصقيل حدّا ، فيسّره الله من بعد الإعواز ، وانطلقت على الفرصة بتلك الفرضة أيدي الانتهاز ، وسألنا من سائله أسد بن الفرات « 1121 » فأفتى برجحان الجواز ، فعمّ الاكتساح والاستباح جميع الأحواز « 1122 » فأذيل « 1123 » المصون ، وانتهبت القرى ، وهدّت الحصون ، واجتثّت الأصول ، وحطّمت الغصون ، ولم نرفع عنها إلى اليوم غارة تصابحها بالبوس ، وتطلع عليها غررها الضاحكة باليوم العبوس ، فهي الآن مجرى السّوابق ومجرّ العوالي ، « 1124 » على التوالي ، والحسرات تتجدّد في أطلالها البوالي ، وكأنّ بها قد ضرعت ، وإلى الدعوة المحمّديّة أسرعت ، بقدرة من لو أنزل القرآن على الجبال لخشعت من خشية الله وتصدّعت ، « 1125 » وعزّة من أذعنت الجبابرة لعزّه وخضعت ، وعدنا والبنود لا يعرف اللفّ نشرها ، والوجوه المجاهدة لا يخالط التّقطيب بشرها ، والأيدي بالعروة الوثقى متعلّقه ، والألسن بشكر نعم الله منطلقه ، والسيوف في مضاجع الغمود قلقه ، وسرابيل الدّروع « 1126 » خلقه ، « 1127 » والجياد من ردّها إلى المرابط والأواري ، « 1128 » ردّ العواري ، حنقه ، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة ، تنظر إلينا نظر العاتب ، وتعود من ميادين الاختيال والمراح ،
--> ( 1121 ) يورى بأسد بن الفرات بن سنان : أبي عبد الله الفقيه المالكي المشهور ( 145 - 213 ) على خلاف في المولد والوفاة . وانظر ترتيب المدارك مخطوطة دار الكتب 1 / 118 ، معالم الإيمان 2 / 2 - 17 ، ديباح 98 . ( 1122 ) الأحواز : ضواحي المدينة وأطرافها . ( 1123 ) أذيل : أهين . ( 1124 ) أجرّه المرح : طعنه بد وتركه فيه يجرّه والعالية : أعلى القناة ، والجمع : العوالي . ومجرّ العوالي : المكان الذي يقع فيه الإجرار والطعن . ( 1125 ) اقتباس من الآية 21 من سورة الحشر . ( 1126 ) السرابيل : الدروع ، وكل ما لبس فهو سربال . ( 1127 ) الخلق : البالي ؛ بقال ثوب خلق ، وجبة خلق بالتذكير فيهما ، وأنكر الكسائي أن تكون العرب قالت « خلقة » ، وعن التهذيب أنه لا يجوز أن يقال ذلك . وانظر اللسان . ( 1128 ) الأواري : جمع آري ؛ وهو مربط الدابة ومحبسها .